حسن بن عبد الله السيرافي
156
شرح كتاب سيبويه
وأمسى . ويدلّك على أن أصبح وأمسى كذلك ، أنك تقول : أصبح أباك ، وأمسى أخاك ، فلو كانتا بمنزلة جاء وركب لقبح أن تقول : أصبح العاقل وأمسى الظريف ، كما يقبح ذلك في : جاء وركب ونحوهما . فإنما يدلّك على أنهما بمنزلة ظننت أنه يذكر بعد الاسم فيهما ما يذكر في الابتداء . واعلم أن ما كان فصلا لا يغيّر ما بعده عن حاله قبل أن يذكر ، وذلك قولك : حسبت زيدا هو خيرا منك ، وكان عبد اللّه هو الظريف ، وقال عز وجل : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ " 1 " . وقد زعم ناس أن ( هو ) هاهنا صفة ، وليس من عربيّ يجعلها صفة لمظهر . ولو كان كذلك لجاز : مررت بعبد اللّه هو نفسه ، ف ( هو ) هاهنا مستكرهة لا يتكلّم بها العرب ؛ لأنه ليس من مواضعها عندهم . ويدخل عليهم : إن كان زيد لهو الظريف ، وإن كنّا لنحن الصّالحين ؛ فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون ، ولا تكون هو ونحن صفة وفيهما اللام . ومن ذلك قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ " 2 " ، كأنه قال : ولا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم . ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطب بأنّه البخل ، لذكره يبخلون . ومثل ذلك قول العرب : ( من كذب كان شرّا له ) ، لا يقول : كان الكذب شرّا له ، استغناء بأنّ المخاطب قد علم أنّه الكذب لقوله : كذب في أوّل حديثه ؛ فصارت هو وأخواتها بمنزلة ( ما ) إذا كانت لغوا ، في أنها لا تغيّر ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر . واعلم أنها تكون في إنّ وأخواتها فصلا وفي الابتداء ، ولكنّ ما بعدها مرفوع ؛ لأنه مرفوع قبل أن تذكر الفصل . واعلم أنّ هو لا يحسن أن تكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة ، مما طال ولم تدخله الألف واللام ، فضارع زيدا وعمرا ، نحو : خير منك ،
--> ( 1 ) سورة سبأ ، الآية : 6 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 180 .